حسن الأمين

33

مستدركات أعيان الشيعة

القمي « على هذا النحو : كان الناس من كل الطبقات في تلك الأيام يعتقدون اعتقادا راسخا بأثر الدعاء في قضاء الحاجات ، كشفاء الأمراض وتيسير الرزق والتغلب على العدو ووجدان الضائع وما أشبه ذلك . وفي المأثور أن أنسب الأوقات للدعاء هو الليل . وكان « نجف خان زند » يراعي جانب « مير السيد علي القمي » لما له من نفوذ واحترام في « قم » . وكان يسمح له بالصعود إلى ظهر السور إذا أراد ، إذ لم يكن في صعوده ما ينافي أعماله العسكرية . ومع ذلك أحتاط « مير السيد علي القمي » ليبعد عنه كل شبهة محتملة ، فأرسل إلى « نجف خان زند » رسالة يستأذنه في الصعود ليلا إلى ظهر السور ليتوجه بوجهه نحو معسكر « آقا محمد خان » ويدعو عليه بان ينزل به بلاء ينجي المدينة من شره . يفعل ذلك سبع ليال متتابعة ، فاذن له . فلما حل الليل صعد « مير السيد علي القمي » إلى ظهر السور واشتغل بالدعاء وهو ينتقل من مكان إلى مكان حتى تبين أن لا أحد منتبه إليه ، فأخرج من داخل عباءته قوسا وسهما كان قد أعدهما وأنشب رأس السهم برسالة كتبها إلى « آقا محمد خان » ، وأعلمه بخطة القميين ، وطلب أن يحمل المهاجمون معهم سلالم للصعود عليها إلى برجي البوابة . وجعل العلامة على موافقة « آقا محمد خان » على الخطة إضاءة مشعل في الغد من نحو بوابة « الري » وإطفاءه خمس مرات ، بعد انقضاء أربع ساعات من الليل . فإذا رفعت له هذه العلامة أطلق إليه سهما آخر مع رسالة يعلمه فيها بالوقت المعين والمكان المعين للهجوم . وذكر في الرسالة ما يقاسيه القميون من ظلم وإذلال ومجاعة وأنهم ينتظرون الفرج على يديه . ثم أطلق السهم نحو معسكر « آقا محمد خان » . وفي الصباح عثر أحد جنود « آقا محمد خان » على الرسالة فحملها إليه . وقام « آقا محمد خان » بتحريات واسعة حتى تأكد عنده أنها بخط « مير السيد علي القمي » حقا . وفي المساء ، بعد انقضاء أربع ساعات من الليل ، رفعت العلامة المتفق عليها من معسكر « آقا محمد خان » ، فأطلق « مير السيد علي القمي » سهما يحمل الرسالة الثانية بتعيين الوقت والمكان للهجوم . وكان الوقت الذي عينوه ليلة الثامن والعشرين من ربيع الآخر بعد انقضاء أربع ساعات من الليل ، والمكان « بوابة الري » من سور قم . وجعلوا علامة الموافقة إضاءة مشعل في الغد ، بعد انقضاء أربع ساعات من الليل ، من نحو « بوابة الري » وإطفاءه سبع مرات . وفي الوعد المعين رفعت هذه العلامة فعلم « مير السيد علي القمي » أن الموافقة قد حصلت . وفي ليلة الثامن والعشرين من ربيع الآخر تسلح « مير السيد علي » ورفاقه . وجعلهم ثلاث فرق ، فرقتان منها لمهاجمة برجي البوابة ، والفرقة الأخرى لإزاحة الحجارة التي ركمها « نجف خان زند » وراء البوابة . وباغتوا حراس البوابة بالهجوم وحمل عليها « آقا محمد خان » من الخارج ، فوقعت البلبلة في الحرس وأعجلوا عن الاستعداد للدفاع ، وأيقظت صيحات الجنود وأصوات الرصاص « نجف خان زند » من نومه . فلما علم أن القميين يشاركون « آقا محمد خان » في الهجوم من الداخل أمر جنده بانزال القتل العام فيهم . ولولا الليل وتواري الناس في بيوتهم وتغليق أبوابها لفني القميون عن آخرهم . ولكن الظلام حجبهم عن أعين الجنود وكذلك اختفاؤهم في داخل منازلهم ، فلم يقتل غير جماعة من رجال « مير السيد علي » المهاجمين . واستطاع المهاجمون القضاء على حراس البرجين واحتلالهما وإزاحة الصخور من خلف البوابة ، كما تمكن جند « آقا محمد خان » من الصعود إلى البرجين بسلالم فما حل الصباح حتى كانت البوابة قد فتحت ودخل جند القاجاريين إلى « قم » . وأبدى « نجف خان زند » شجاعة فائقة في الدفاع ، ولكنه حوصر فلم يقدر على شيء ، وأسر جميع عسكره . ولكنه استطاع الفرار على نحو عجيب ، فقد كانت جميع طرق الفرار مقطوعة عليه فكأنما انشقت الأرض وابتلعته . وقال بعض المؤرخين إنه كان في قم يومئذ دهليز تحت الأرض ينفذ خارج السور على نحو ما كان في بعض القلاع في القديم ، فسكله « نجف خان زند » وفر . وقيل إنه لجا إلى بيت صديق في قم فاختفى فيه ، وبعد بضعة أيام خرج منها متنكرا . وتجند في جيش « آقا محمد خان » كل العساكر والضباط الذين أسرهم من جند « نجف خان زند » ، إذ كانوا كلهم من المرتزقة لا يبالون في أي جيش يحاربون ، وهمهم الحصول على أجورهم على الحرب . وأصيب « مير السيد علي » برصاصتين . ومع ذلك ثبت وظل يحارب ودمه ينزف إلى أن تم استيلاء « آقا محمد خان قاجار » على المدينة . وعندئذ ألقى السلاح وقد خارت قواه فنقل إلى منزله ، وبعد بضعة أيام توفي . ولولا شجاعته وشهامته وحسن تدبيره لقضى كل القميين جوعا . وخص « آقا محمد خان » أعقاب « مير السيد علي القمي » وأعقاب رفاقه الذين قتلوا وراء « بوابة الري » برواتب دائمة . وكان هذا دأب « آقا محمد خان قاجار » في مكافاة كل محارب كفء وكل من كانت له عليه يد . لقد اتهم آقا محمد خان قاجار « من أبناء زمانه ، ولا يزال إلى اليوم ، بالشح والتقتير . والحق أنه إنما كان مقتصدا ، تعلم الاقتصاد من أمه » جيران « ولم يكن شحيحا ولا مقترا . ولا أهمل أحدا أدى إليه خدمة كبيرة ، فلم يكافئه عليها . روي أن رجلا أدى إلى « آقا محمد خان » خدمة كبيرة ، فلم يكافئه عليها . وظن الرجل أنه نسيه . فجعل يقف له في الطريق ويديم النظر إليه كلما رآه ، يذكره بنفسه ويتوقع الحصول منه على المكافاة . وفي يوم غضب « آقا محمد خان » من تكرار نظر هذا الرجل إليه ، وقال لا أطيق أن أرى بعد اليوم نظرة هذا الرجل وما فيها من توقع ، ثم أمر باعمائه فاعمي . وهي رواية نقطع باختلاقها فالذين رووها لم يذكروا اسم الرجل ولا ذكروا تاريخ وقوع الحادثة . ولم تذكر في التواريخ المعتبرة . ومثلها ما اتهم به من إقامته مشاهد أخلاقية قبيحة . فهي تهمة باطلة أيضا . فتح طهران واتفق أن تلقى « آقا محمد خان » ، وهو مستبشر بفتح مدينة « قم » ،